عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )

166

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

يأخذ لنفسه منه شيئا ويلبس الثياب الزرق والجبب السود ويتعمم بالقطن غير المقصور ولا يترك قيام الليل صيفا ولا شتاء وكان ينام بعد الوتر لحظة ثم يقوم وينزل إلى الجامع الغمري فيتوضأ ويصلي والباقي للفجر نحو سبعين درجة ثم يصعد الكرسي ويتلو نحو القرآن سرا فإذا أذن الصبح قرأ جهرا قراءة تأخذ بجوامع القلوب ومر نصراني من مباشري القلعة يوما في السحر فسمع قراءته فرق قلبه وأسلم على يديه وكان يأتيه الناس للصلاة خلفه من الأماكن البعيدة لحسن صوته وخشوعه وكثرة بكائه حتى يبكي غالب الناس خلفه وكان الشيخ أبو العباس الغمري يقول الجامع جثة والشيخ أمين الدين روحها وكان يقري ويضيف كل وارد ويخدم بنفسه ومع هذا فله هيبة عظيمة يكاد من لا يعرفه يرعد من هيبته وانتهت إليه الرياسة بمصر في علوم السنة في الكتب الستة وغيرها ويقرأ للأربعة عشر ومناقبه كثيرة وتوفي ليلة السابع والعشرين من ذي القعدة وفيها أبو السعود محمد بن دغيم الجارحي القاهري الفقيه الصوفي المتعبد المتنسك المعتقد عند الملوك فمن دونهم وكان والده من أعيان كوم الجارح والمتسببين به في أنواع المتاجر فنشأ الشيخ أبو السعود على خير وحفظ القرآن العظيم واشتغل في الفقه والنحو ثم أقبل على العبادة والمجاهدة ومكث عشرين سنة صائما لا يدري بذلك أهله وكان يصلي مع ذلك بالقرآن في ركعة أو ركعتين في تلك المدة وأخذ في التقليل من الأكل فانتهى أكله إلى لوزة وربما تركها قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في طبقاته هو عارف علوم جمة وصوفي ذو أحوال وكرامات بين الأمة قدوة في علمه ودينه فريد في عصره وحينه اجتهد وترقى في المقامات وأخذ عن الشيخ أحمد المرحومي عن الشيخ مدين عن الزاهد وارتفعت روحه وسمت عن مقعر فلك القمر وارتفع